الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

122

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

وجملة فِيهِ هُدىً وَنُورٌ حال . وتقدّم معنى الهدى والنّور . و مُصَدِّقاً حال أيضا من الإنجيل فلا تكرير بينها وبين قوله بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقاً لاختلاف صاحب الحال ولاختلاف كيفية التّصديق ؛ فتصديق عيسى التّوراة أمره بإحياء أحكامها ، وهو تصديق حقيقي ؛ وتصديق الإنجيل التّوراة اشتماله على ما وافق أحكامها فهو تصديق مجازي . وهذا التّصديق لا ينافي أنّه نسخ بعض أحكام التّوراة كما حكى اللّه عنه وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ [ آل عمران : 50 ] ، لأنّ الفعل المثبت لا عموم له . والموعظة : الكلام الّذي يلين القلب ويزجر عن فعل المنهيات . وجملة وَلْيَحْكُمْ معطوفة على آتَيْناهُ . وقرأ الجمهور وَلْيَحْكُمْ - بسكون اللّام وبجزم الفعل - على أنّ اللام لام الأمر . ولا شكّ أنّ هذا الأمر سابق على مجيء الإسلام ، فهو ممّا أمر اللّه به الّذين أرسل إليهم عيسى من اليهود والنّصارى ، فعلم أنّ في الجملة قولا مقدّرا هو المعطوف على جملة وَآتَيْناهُ الْإِنْجِيلَ ، أي وآتيناه الإنجيل الموصوف بتلك الصّفات العظيمة ، وقلنا : ليحكم أهل الإنجيل ، فيتمّ التّمهيد لقوله بعده وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ ، فقرائن تقدير القول متظافرة من أمور عدّة . وقرأ حمزة - بكسر لام - لْيَحْكُمْ ونصب الميم - على أنّ اللام لام كي للتّعليل ، فجملة لْيَحْكُمْ على هذه القراءة معطوفة على قوله فِيهِ هُدىً إلخ ، الّذي هو حال ، عطفت العلّة على الحال عطفا ذكريا لا يشرّك في الحكم لأنّ التّصريح بلام التّعليل قرينة على عدم استقامة تشريك الحكم بالعطف فيكون عطفه كعطف الجمل المختلفة المعنى . وصاحب « الكشاف » قدّر في هذه القراءة فعلا محذوفا بعد الواو ، أي وآتيناه الإنجيل ، دلّ عليه قوله قبله وَآتَيْناهُ الْإِنْجِيلَ ، وهو تقدير معنى وليس تقدير نظم الكلام . والمراد بالفاسقين الكافرون ، إذ الفسق يطلق على الكفر ، فتكون على نحو ما في الآية الأولى . ويحتمل أنّ المراد به الخروج عن أحكام شرعهم سواء كانوا كافرين به أم كانوا معتقدين ولكنّهم يخالفونه فيكون ذمّا للنصارى في التّهاون بأحكام كتابهم أضعف من ذمّ اليهود . [ 48 ]